أبي منصور الماتريدي

307

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

ونموذج آخر : ففي قوله تعالى : وَاتَّقُوا يَوْماً لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً وَلا يُقْبَلُ مِنْها شَفاعَةٌ وَلا يُؤْخَذُ مِنْها عَدْلٌ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ [ البقرة : 48 ] يقول الإمام ابن كثير : « لما ذكرهم تعالى بنعمه أولا ، عطف على ذلك التحذير من طول نقمه بهم يوم القيامة فقال : وَاتَّقُوا يَوْماً يعني يوم القيامة لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً أي : لا يغني أحد عن أحد ، كما قال : وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى [ الزمر : 7 ] ، وقال : لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ [ عبس : 37 ] ، وقال : يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْماً لا يَجْزِي والِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلا مَوْلُودٌ هُوَ جازٍ عَنْ والِدِهِ شَيْئاً [ لقمان : 33 ] فهذا أبلغ المقامات أن كلّا من الوالد وولده لا يغني أحدهما عن الآخر شيئا » « 1 » . فإذا قارنا بين هذه النماذج سنجد أن الماتريدي يأتي بالآيات المفسّرة ليعضد تحليله ، صحيح أن هذه الآيات تدور في فلك الآية المفسّرة ، لكنها لا تتوجه إلى تفسير الآية المفسّرة مباشرة ، وتكون في معناها ، أو تفصل إجمالها كما عند ابن كثير . وهذا يدعونا إلى القول بأن الماتريدي كان من المجددين في الطريقة حتى مع اعتماده على تفسير القرآن بالقرآن . وهنا ملاحظة يجدر إثباتها ، وهو أنه بالرغم من أسبقية الماتريدي عن ابن كثير نجد طريقته في التفسير تتسم بالجدة بخلاف الأخير ، فإن طريقته تكاد تدور في فلك طريقة أوائل المفسرين ، ولسنا بذلك نعيب على ابن كثير طريقته ، لكن نريد إثبات الفارق بينه وبين الماتريدي الذي يعتبر سابقا إلى التجديد في التفسير حتى لكثير ممن جاء بعده . ب - تفسير القرآن بالسنة : لا يترك الماتريدي الاعتماد على السنة ، لكن اعتماده عليها قليل إلى حد ما ، وهو يأتي بالأحاديث المتوافقة والمفسرة للآية موضع الحديث ، ولكن الجدير بالملاحظة أنه يذكر بعض الأحاديث النبوية بالمعنى ، وكأنه يعتمد على حفظه ولا يرجع إلى نصوص الأحاديث أثناء تأويله . ومن نماذج تفسيره بالحديث في السور محل التحقيق ما جاء عند تفسير قوله تعالى : قالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ [ الأعراف : 143 ] فبعد ما فسر المقصود من سؤال موسى ربه الرؤية ، وأخذ يعدد الأوجه المحتملة في الآية ، قال : « لكنه لولا أن القول بالرؤية كان أمرا

--> ( 1 ) السابق ( 1 / 89 ) .